أحمد بن محمود السيواسي
235
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 102 ] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 102 ) ثم بين لهم صلاة الخوف بالخطاب للنبي عليه السّلام فقال ( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ) أي إذا كنت حاضرا في الخائفين من أصحابك بحضرة العدو وحضرت الصلاة عليكم ( فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ) أي للمؤمنين ( فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ) في الصلاة وطائفة وجاه العدو ( وَلْيَأْخُذُوا ) أي غير المصلين معك ( أَسْلِحَتَهُمْ ) بإزاء العدو ، أي ما شاؤوا من السلاح أو المراد المصلون مع النبي عليه السّلام فيأخذون من السلاح ما لا يشغل عن الصلاة كالخنجر والسيف ، والسلاح كل ما يقاتل به ويمتنع ( فَإِذا سَجَدُوا ) أي صلوا معك ركعة واحدة ، وأتموا الثانية بنفسهم ( فَلْيَكُونُوا ) أي المصلون ( مِنْ وَرائِكُمْ ) أي خراسا لكم بعد الصلاة بإزاء العدو ( وَلْتَأْتِ ) أي ولتجئ ( طائِفَةٌ أُخْرى ) أي الذين ( لَمْ يُصَلُّوا ) معك بسبب العدو ( فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ) ركعة أخرى وتتوقف حتى يتموا الثانية ثم تسلم بهم ( وَلْيَأْخُذُوا ) أي الآتون أو المصلون ( حِذْرَهُمْ ) أي تحرزهم عن العدو ( وَأَسْلِحَتَهُمْ ) حاضرة بإزاء العدو ، وإنما جمع الحذر مع الأسلحة مبالغة في التحرز عن العدو ، فان التيقظ للعدو يشبه بآلة يستعملها الغازي في كل موطن فيه خوف للتحفظ عن « 1 » شرهم ، ولم يذكر في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة ، لكن في الخبر أن النبي عليه السّلام صلى في صلاة الخوف بالطائفة الأولى ركعة ، وبالطائفة الأخرى ركعة كما ذكرنا ، وهو اختيار الشافعي « 2 » ، وقيل : صلى النبي عليه السّلام بطائفة أولا ركعة ثم ذهبت بإزاء العدو وجاءت الطائفة التي كانت بإزاء العدو فصلى معهم ركعة أخرى وسلم هو لا غير ، ثم جاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه الطائفة الأخرى إلى إزاء العدو حتى أدت الطائفة الأولى الركعة الأخرى بغير قراءة وسلموا ، لأنهم كانوا في صلاة الإمام حكما ولو كانوا في وجه العدو ، ثم ذهبت تحرس وجاءت الطائفة الأخرى وأدت الركعة الأولى بالقراءة ، لأنه الإمام أتم صلاته فلا بد لهم من القراءة في الركعة الثانية لانتفاء الاقتداء فيها بالإمام وسلموا حتى صار لكل طائفة ركعتان ، وهذا اختيار أبي حنيفة رضي اللّه عنه في صلاة الخوف « 3 » ، ثم أومى اللّه تعالى إلى زيادة التحذير بقوله ( وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ ) أي أن تغفلوا ( عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ ) التي للحرب ( فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ) أي فيقصدونكم بالسوء ويحملون عليكم ( مَيْلَةً واحِدَةً ) أي حملة واحدة في الحرب فكونوا بالحذر عنهم ، ثم رخص لهم في ترك السلاح لعذر كالمرض والمطر فيثقل حمل السلاح عليهم بسبب ذلك بقوله « 4 » ( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى ) من السقم في المزاج أو من الجراحة في البدن في ( أَنْ تَضَعُوا ) أي تزيلوا عنكم ( أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ) وإن لم تحملوا « 5 » السلاح لئلا يهجم العدو عليكم ، ولما كان الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته نفي عنهم ذلك بقوله ( إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ ) بدين الحق ( عَذاباً مُهِيناً ) [ 102 ] يهانون فيه بنصرته لكم عليهم أو بعقوبتهم بالنار في الآخرة ، فالأمر بالحذر تعبد من اللّه لا بغلبة العدو « 6 » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 103 ] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ( 103 ) ثم قال ( فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ) أي فرغتم من صلاة الخوف ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ ) بالتسبيح والتهليل ( قِياماً وَقُعُوداً
--> ( 1 ) عن ، ب م : من ، س . ( 2 ) انظر البغوي ، 2 / 144 . ( 3 ) انظر السمرقندي ، 1 / 383 ؛ والكشاف ، 1 / 268 - 269 . ( 4 ) بقوله ب س : قوله ، م . ( 5 ) وإن لم تحملوا ، ب م : وإن تحملوا ، س . ( 6 ) فالأمر بالحذر تعبد من اللّه لا بغلبة العدو ، س ، فالمراد ، م ، - ب ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 269 .